Welcome to the official website of Gebran Tueni

العربية
Gebran Tueni

GEBRAN TUENI

Publications

عين الديك

تجاوز بركان الفجيعة والاسى في وداعك ايها الفارس الممشوق مثل رمح لمّاح كل حدود التراجيديا الاسطورية، حيث تتجمع عادة كل عناصر الحزن وكل معاني النبل وكل قيم الاوطان وكل فضائل الحرية في رباط الدم والنار، وعند تلك الحدود التي تصبح فيها شهادة الشباب مجرد صياح للديك الانيق يعلن وصول النهار مرة اخرى.زفّيناك في الماضي عريساً الى كاتدرائية القديس جاورجيوس وزفّيناك امس شهيداً اليها، وقد بدت وسط طوفان الحرقة مثل طروادة وأسوار طروادة، حيث تذوقنا فاكهة المأساة الكبرى ونكهتها التي تمتزج فيها مرارة الموت السفاك بنكهة البطولة والفروسية، وايضا بعظمة الفارس المقتول يرتقي الى المرتبة العليا، عندما ينهض من محفته مصفقاً لوالده، جذلاً بابنته، وضاحكاً لأحبائه وقد تدافعوا الى وداعه الاخير!لكن الاسطورة الاغريقية، بكل ما فيها من عظمة الحزن الانساني الكبير ومن نبل الجروح القاطعة حتى الاحشاء، تجسدت مرتين، وفعلا لا بد من ان تكون قد لاحظت وصفقت من داخل محفتك طويلا وانت تستمع مثلنا جميعا (أَوَلَم نتفق أنك لم تمت؟) اولاً الى والدك وقد بدا مثل جبل من الاحزان، وثانياً الى كريمتك نايلة وقد صارت زهرة يمزقها الحزن الى الصميم، بينما واصلت شقيقتها ميشيل إسناد رأسها المنهوك الى خشب يغيِّب صدرك وراحت تنثر الزهر بلا انقطاع، فيما ابحرت زوجتك سهام روحاً ملتاعاً داخل المحفة ودمعة واجفة داخل الكاتدرائية.لم نكن ندري هل هو أغاممنون يقف ليتفجع على هكتور امام اسوار طروادة، ام هو استاذنا وكبيرنا المجلل بالاحزان غسان يقف ليتفجع على جبران امام أسوار الحرية، حيث تشرق شمس الحقيقة ويبدأ نهار لبنان كل يوم.الى هذا الحد يا استاذنا المصلوب على مسلسل الفجائع يصل بك الاحتمال: "قلَّ ان أُعطي [أُعطي؟!] لانسان ان يقف في المكان ذاته على مدى ستين عاما يودع والده ثم ولده".تتحدث عن "العطاء"، وانت "أيوب الأدهار" مستندا الى ان "موتنا قيامة" وان "المسيح قام من بين الاموات"، وتحاول ان تطيّب خاطر العائلة المذبوحة الى الصميم و"النهار" المطعونة في القلب والبلد المغدور بزينة الشباب الى ان جبران ذهب، على ما قال سيدنا المطران جورج خضر، يهيىء لنا مكاناً في وليمة العرس؟ وفوق كل هذا، فوق كل ما نحن فيه وعليه، تستعجل انت الآخر ايها القاسي، فتستطرد: فهل ألاقيه؟تلاقيه؟أَوَلَم تقل لنا انه لم يمت، وانه لن يموت؟ أَوَلَم تستمع امس الى خطواته المسرعة في الممرات؟ أَوَلَم يصلك عطره وتلفحك قيافته؟ أَوَلَم تر مسابحه وايقوناته والبخور تعبق به احدث اجهزة الكومبيوتر؟تلاقيه؟وماذا نفعل نحن امام دعوتك، التي هي جوهر تاريخ عائلتك وقاعدة "النهار" وسرها وفلسفتها، عندما تدعو لا الى انتقام او حقد او دم، بل الى التزام قَسَم ولدك الشهيد في يوم الانتفاضة التي ذهب ضحيتها، عندما دعا الى وحدة كل اللبنانيين من اجل الوطن وهو روح القضية التي استشهد من اجلها؟أَوَتعرف يا جبران؟لم يعط لشهيد ان يستمع جذلاً لابنته وهي بعد في قامة زهرة وعمر زهرة، وقد شقت حجب حشرجتها واجتازت جدران آلامها والاحزان لتقف الى رأس والدها وتصيح: "أنا الراية والرمح المضيء، انا عين الحرية، وانا عين الديك".فعلتها نايلة مرة ثانية. الاولى عندما وقفت في المكان عينه واقامت عهداً لشهيدنا سمير قصير، والثانية عندما وقفت امس لتقيم لك انت ايها الفارس الانيق عهد الوفاء والامانة، وهو في النهاية قدر هذه العائلة وهذه المؤسسة.عهد ووعد: "انا بنت الحرية، بنت "النهار"... انا بنت القتيل اللي ما بيموت لأنو ابن الحرية".لا، لم يمت جبران تويني ولن يموت، ليس لأن "موتنا قيامة" فحسب، بل لأن القسم الذي اطلقه في ساحة الحرية من اجل لبنان العظيم كان خاتمة الجنازة – الحياة التي اقيمت له ولرفيقيه امس، فعندما انضم صوت عشرات الالاف الى صوت نايلة في القول: "نقسم بالله العظيم..."، كان صوت جبران يعلو على كل الاصوات.وانت نايلة فعلاً عين الحرية، انت عين الديك، لتقر عين أغاممنون المجلل بتاريخ من الاحزان يعتبره "عطاء"، لأن بعض "الموت قيامة" فعلاً، ولأن قيامة لبنان ستأخذ كثيرا من قامة جبران.راجح الخوري